زكي مبارك
73
عبقرية الشريف الرضي
إلى أن رماني بالتي لا شوى لها * فأعقب من بعد الرنين أنين وان أحق المجهشين بعترة ( 1 ) ووجد قرين بان عنه قرين * وما تنفع المرء الشمال وحيدة إذا فارقتها بالمنون يمين * تجرم عام لم أنل منك نظرة وحان ولم يقدر لقاؤك حين ( 2 ) أمر بقبر قد طواك جديده * فأبلس حتى ما أكاد أبين ( 3 ) وتنفضّ بالوجد الأليم أضالع * وترفّض بالدمع الغزير شؤون ومعاذ الأدب أن يكون الشريف في هذه القصيدة كالنائحة المستأجرة ، وهل كانت النائحة المستأجرة تعني حقا من دعيت للبكاء عليه انها تبكي ودائعها في التراب فهي نائحة ثكلى مفطورة الفؤاد . ويظهر جانب المروءة من وفاء الشريف حين نتذكر بعض المواقف التي تجلت فيها شجاعته ، فقد اتفق لرجل من عظماء بغداد أن يتألب الجمهور عليه لبعض الأسباب ، وكان لذلك الرجل كثير من الأصدقاء والأشياع ، فلما مات خاف أصدقاؤه وأشياعه عواقب التفجع عليه فلم يمش في جنازته غير ثلاثة منهم الشريف ، وفي هذا الحادث البشع يقول : لعمري لقد ماطلت لو دفع الردى * مطال وقد عاتبت لو سمع الدهر أفي كل يوم أنت غاد مشيع * حبيبا إلى دار يقال لها القبر لئن كان لي في كل ما أنا تارك * وراء الثرى أجر لقد عظم الأجر
--> ( 1 ) في الديوان ( لعبرة ) ( 2 ) تجرم : مضى . ( 3 ) أبلس يبلس سكت على ما في نفسه .